إخوان الصفاء
50
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فقد قامت قيامته وإنما أراد قيام النفس لا الجسد ، لأن الجسد لا يقوم عند الموت ، بل يقع وقوعا لا يقوم بعده ، إلى أن تردّ النفس اليه ثانية . فانتبه يا أخي من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، وتزوّد للرّحلة ، واستعدّ للقيامة ، قبل أن تقوم قيامتك ، بأن يؤخذ منك هذا الهيكل المبنيّ ، مملوءا من آثار الحكمة ، قهرا وأنت كاره ، فتبقى نفسك بلا سمع ولا بصر ولا شمّ ولا ذوق ولا لمس فارغة خاوية تهوي في هاوية البرزخ « 1 » إلى يوم القيامة ، إلى يوم يبعثون . فبادر وشمّر واجتهد بأن تكتسب بتوسّط هذا الهيكل الجسماني ، هيكلا روحانيّا ، وبتوسّط هذه الحواس الجسدانية ، حواسّ عقلية ، ليكون بعد حين ، فترجع نفسك من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح بربح لا بخسران . واعلم بأن النفس ، إذا فارقت هذا الهيكل ، فلا يبقى معها ولا يصحبها من آثار هذا الجسد إلّا ما استفادت من المعارف الربّانية ، والأخلاق الجميلة الملكيّة ، والآراء الصحيحة المنجية ، والأعمال الصالحة الزكيّة المرضية المربحة ، وذلك أن تبقى هذه الأشياء في النفس مصوّرة في ذاتها ، إذا كانت معتادة لها ، صورة روحانية نيّرة بهيّة ، كلما لاحظت النفس ذاتها ، ورأت تلك الصورة ، فرحت بها وامتلأت سرورا في ذاتها وفرحا ولذة ، وذلك ثوابها ونعيمها بما أسلفت في الأيام الخالية . وأما إذا كانت أخلاقها رديئة سيّئة بشعة ، وآراؤها فاسدة ، وأعمالها موبقة ، وجهالاتها متراكمة ، بقيت عمياء عن رؤية الحقائق ، وتبقى هذه الأشياء في ذاتها مصوّرة صورة قبيحة سمجة ، فكلما لاحظت ذاتها ونظرت إلى جوهرها رأت ما يسوؤها ، وتريد الفرار منه ، وأين المفرّ لها من ذاتها ؟ فاعتبر يا أخي ما ذكرت لك ، ولا تغترّ بما أنت فيه من رغد العيش
--> ( 1 ) البرزخ : الحاجز بين الأرض والآخرة تحبس فيه النفوس إلى يوم القيامة والحساب .